ابن أبي الحديد

62

شرح نهج البلاغة

قال أبو عثمان ومن الحيوان أجناس يشبه الانسان في العقل والروية والنظر في العواقب والفكر في الأمور ، مثل النمل ، والذر ، والفار ، والجرذان ، والعنكبوت ، والنحل ، الا أن النحل لا يدخر من الطعم الا جنسا واحدا وهو العسل ( 1 ) . قال وزعم البقطري انك لو أدخلت نملة في جحر ذر لأكلتها حتى تأتى على عامتها ، وذكر انه قد جرب ذلك . قال وزعم صاحب المنطق أن الضبع تأكل النمل اكلا ذريعا ، لأنها تأتى قرية النمل وقت اجتماع النمل على باب القرية ، فتلحس ذلك النمل كله بلسانها ، بشهوة شديدة وإرادة قوية . قال وربما أفسدت الأرضة على أهل القرى منازلهم ، وأكلت كل شئ لهم ، فلا تزال كذلك حتى ينشأ في تلك القرى النمل ، فيسلط الله عز وجل ذلك النمل على تلك الأرضة ، حتى تأتى على آخرها ، على أن النمل بعد ذلك سيكون له أذى ، الا انه دون أذى الأرضة بعيدا ، وما أكثر ما يذهب النمل أيضا من تلك القرى ، حتى يتم لأهلها السلامة من النوعين جميعا . قال وقد زعم بعضهم أن تلك الأرضة بأعيانها تستحيل نملا ، وليس فناؤها لاكل النمل لها ، ولكن الأرضة نفسها تستحيل نملا ، فعلى قدر ما يستحيل منها يرى الناس النقصان في عددها ومضرتها على الأيام ( 2 ) . قال أبو عثمان وكان ثمامة يرى أن الذر صغار النمل ، ونحن نراه نوعا آخر كالبقر والجواميس . قال ومن أسباب هلاك النمل نبات أجنحته ، وقال الشاعر : وإذا استوت للنمل أجنحة * حتى يطير فقد دنا عطبه

--> ( 1 ) الحيوان 4 : 34 . ( 2 ) الحيوان 4 : 34 ، 35 .